النووي
45
تهذيب الأسماء واللغات
المشهور في اختلاف العلماء : إنما بدأت بالشافعيّ قبل جميع الفقهاء وقدمته عليهم - وإن كان فيهم أقدم منه - اتّباعا للسنة ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « قدّموا قريشا وتعلّموا من قريش » « 1 » . وقال الإمام أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الأسترآباذيّ ، صاحب الربيع بن سليمان المرادي : في هذا الحديث علامة بيّنة ، إذا تأمّله الناظر المميّز علم أن المراد به رجل من علماء هذه الأمة من قريش ظهر علمه وانتشر في البلاد ، وكتب كما تكتب المصاحف ، ودرسه المشايخ والشبان في مجالسهم ، وأجروا أقاويله في مجالس الحكام والأمراء والقراء وأهل الآثار وغيرهم ، قال : وهذه صفة لا نعلمها في أحد غير الشافعي ، قال : فهو عالم قريش الأفضل الذي دوّن العلم ، وشرح الأصول والفروع ، ومهّد القواعد . قال البيهقي بعد روايته كلام أبي نعيم : وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل في تأويل الخبر . ومن ذلك مصنفات الشافعي رحمه اللّه في الأصول والفروع التي لم يسبق إليها كثرة وحسنا ، وهي كثيرة مشهورة ك « الأم » في نحو خمسة عشر مجلدا ، وهو مشهور ، وجامعي المزنيّ الكبير والصغير ، ومختصريه ، ومختصر الرّبيع والبويطي ، وكتاب حرملة ، وكتاب « الحجة » وهو القديم ، و « الرسالة » الجديدة والقديمة ، و « الأمالي » و « الإملاء » وغير ذلك مما هو معروف ، وقد جمعها البيهقي في باب من كتابه في « مناقب الشافعي » . قال القاضي الإمام أبو محمد الحسن بن محمد المروزي في خطبة « تعليقه » : قيل : إن الشافعي رحمه اللّه صنّف مائة وثلاثة عشر كتابا في التفسير والفقه والأدب وغير ذلك ، وما أحسنها ، فأمر يدرك بمطالعتها ، فلا يتمارى فيه موافق ولا مخالف . وأما كتب أصحابه التي هي شروح لنصوصه ، ومخرّجة على أصوله ، ومفهومة من قواعده ، فلا يحصرها إلا اللّه تعالى مع عظم فوائدها ، وكثرة عوائدها ، وكبر حجمها ، وحسن ترتيبها ونظمها ، ك « تعليق » الشيخ أبي حامد الأسفراييني ، وصاحبيه القاضي أبي الطيب الطبري والماوردي صاحب « الحاوي » ، و « نهاية المطلب » لإمام الحرمين ، وغيرها مما هو معروف . وكل هذا مصرّح بغزارة علمه ، وجزالة كلامه ، وبلاغته ، وبراعة فهمه ، وصحة نيته ، وحسن طويّته ، وقد نقل عنه في صحة نيته نقول كثيرة مشهورة ، وكفى بالاستقراء في ذلك دليلا قاطعا ، وبرهانا صادعا . قال الساجي في أول كتابه في الاختلاف : سمعت الربيع يقول : سمعت الشافعي يقول : وددت أن الخلق تعلّموا هذا العلم على أن لا ينسب إليّ منه حرف . فهذا إسناد لا يمارى في صحته ، وقال الشافعي رحمه اللّه : وددت إذا ناظرت أحدا أن يظهر اللّه الحقّ على يديه . ونظائر هذا كثيرة مشهورة . ومن ذلك مبالغته في الشفقة على المتعلمين ، ونصيحته للّه تعالى وكتابه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلم والمسلمين ، وذلك هو الدّين كما صح عن سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلم . وهذا الذي ذكرته من أحواله ، وإن كان كله مشهورا ، فلا بأس بالإشارة إليه ليعرفه من لم يقف عليه . فصل في نوادر من حكم الشافعي رضي اللّه عنه ، وجزيل كلامه قال رحمه اللّه : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة . وقال : من أراد الدنيا فعليه بالعلم ، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم . وقال : ما تقرّب إلى اللّه تعالى بشيء بعد الفرائض أفضل من طلب العلم .
--> ( 1 ) أخرجه الشافعي في « مسنده » 1 / 278 عن الزهري بلاغا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ووصله ابن أبي عاصم في « السنة » ( 1515 ) و ( 1516 ) و ( 1520 ) من حديث سهل بن أبي حثمة ومن حديث عتبة بن غزوان ، وكلاهما لا يصح .